حسن حسن زاده آملى

351

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

أو يتسلسل وهما محالان فبالضرورة ، أوّل علوم النّفس هو علمها بذاتها ، ثم علمها بقواها وآلاتها التي هي الحواس الظاهرة والباطنة ، وهذان العلمان من العلوم الحضورية ، ثم بعد هذين العلمين ينبعث من ذات النفس لذاتها استعمال الآلات بدون تصور هذا الفعل الذي هو استعمال الآلات والتصديق بفائدته كما في سائر الأفعال الاختيارية الصادرة عنها في خارج البدن فان هذا ضرب آخر من الإرادة ليس بالقصد والروية وان كان غير منفك عن العلم والإرادة به لكن الإرادة ها هنا عين العلم ؛ وفي غيره من الأفعال الاختيارية الصادرة عن النفس مسبوقة بالعلم بها والتصديق بفائدتها . وأما الفعل الذي هو كاستعمال النفس القوى والحواس ونحوها فإنما ينبعث عن ذاتها لا عن روّيتها ؛ فذاتها بذاتها موجبة لاستعمال الآلات لا بإرادة زائدة وعلم زائد ؛ بل النفس لما كانت في أول الفطرة عالمة بذاتها عاشقة لها ولفعلها عشقا ناشيا عن الذات اضطرت إلى استعمال الآلات التي لا قدرة لها إلا عليه فاحتفظ بهذا فإنه علق نفيس » . أقول : إذا كانت النفس في مبدأ فطرتها على النعت الذي وصفها به ، وكان فعلها اختياريا لا طبيعيا كما هو الحق فصدور تلك البنية المعجبة المدهشة وتدبيرها عنه انما كانا تحت تدبير الملكوت كسائر الحيوانات والنباتات ؛ بل الموجودات كلها . « هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » « 1 » . قوله : « فيتوقف - لا محالة - على العلم بتلك الآلات » ؛ بل على العلم بآليتها أيضا . قوله : « ثم علمها بقواها وآلاتها » ، لأنها في وحدتها كل القوى . ولا يخفى عليك أن علمها بذاتها وبقواها وافعالها على النحو الذي حررّه في الكتاب انما هو بلحاظ الترتّب الرتبي بلا تراخ زماني بينها لأنها حقيقة واحدة ذات مراتب ومظاهر وشؤون ، جل وعظم شأن بارئها فيها . قوله : « بدون تصور هذا الفعل الذي هو استعمال الآلات » ، أي لا يكون بالعلم الحصولي ؛ بل صدور ذلك الجزئي عن النفس هو بعينه تصورها له بلا صورة مستأنفة . قوله : « فان هذا ضرب آخر من الإرادة الخ » وهذه الإرادة الرفيعة هي العلم وجودا أعني إذا رفعنا الإرادة عن هذه النشأة مكانا عليا يظهر على صورة العلم وتصير الإرادة عين العلم فإرادته - تعالى - للأشياء عين علمه بها وهما عين ذاته .

--> ( 1 ) . آل عمران : 6 .